عبد الرحمن السهيلي
128
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس ، حتى جهد المؤمنون ، ومن معهم جوعاً وعرياً ، وهذه إحدى الشدائد الثلاث التي دل عليها تأويل الغطات الثلاث التي غطه جبريل حين قال له : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، وإن كان ذلك كان في اليقظة ، ولكن مع ذلك له في مقتضى الحكمة تأويل وإيماء ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا قبل ، وإلى آخر حديث الصحيفة ليس فيها ما يشكل . شرح دالية أبي طالب : وقول أبي طالب : ألا قد أتى بحرينا ، يعني الذين بأرض الحبشة ، نسبهم إلى البحر لركوبهم إياه ، وهكذا وجه النسب إليه ، وقد قال عليه السلام : إذا نشأت بحرية ، وزعم ابن سيدة في كتاب المحكم له أن العرب تنسب إلى البحر : بحراني على غير قياس ، وأنه من شواذ النسب ، ونسب هذا القول إلى سيبويه والخليل ، ولم يقله سيبويه قط ، وإنما قال في شواذ النسب : تقول في بهراء : بهراني ، وفي صنعاء : صنعاني ، كما تقول : بحراني في النسب إلى البحرين التي هي مدينة ، وعلى هذا تلقاه جميع النحاة ، وتأولوه من كلام سيبويه ، وإنما شبه على ابن سيدة لقول الخليل في هذه المسألة ، أعني مسألة النسب إلى البحرين ، كأنهم بنوا البحر على بحران ، وإنما أراد لفظ البحرين ألا تراه يقول في كتاب العين : تقول بحراني في النسب إلى البحرين ، ولم يذكر النسب إلى البحر أصلاً للعلم به ، وأنه على القياس جار ، وفي الغريب المصنف عن اليزيدي أنه قال : إنما قالوا : بحراني في النسب إلى البحرين ، ولم يقولوا : بحري ليفرقوا بينه وبين النسب إلى البحر ، وما زال ابن سيدة يعثر في هذا الكتاب وغيره عثرات يدمي منها الأظل ، ويدحض دحضات تخرجه إلى سبيل من ضل ألا تراه قال في هذا الباب : وذكر بحيرة طبرية ، فقال : هي من أعلام خروج الدجال ، وأن ماءها ييبس عند خروجه ، والحديث : إنما جاء في غير زغر ، وإنما ذكرت بحيرة طبرية في حديث يأجوج ومأجوج ، وأنهم يشربون ماءها ، وقال في الجمار في غير هذا الكتاب : إنما هي التي ترمى بعرفة ، وهذه هفوة لا تقال ، وعثرة لا لعاً لها وكم له من هذا إذا تكلم في النسب وغيره ، ومن النسب إلى البحر قوله عليه السلام لأسماء بنت عميس حين قدمت من أرض الحبشة : البحرية الحبشية ، فهذا مثل قول أبي طالب : ألا هل أتى بحرينا . وقوله : والله بالناس أرود : أي : أرفق ، ومنه : رويدك ، أي : رفقاً جاء بلفظ التصغير ؛ لأنهم يريدون به تقليلاً أي : ارفق قليلاً ، وليس له مكبر من لفظه ؛ لأن المصدر : إروادا ، إلا أن يكون من باب تصغير الترخيم ، وهو أن تصغر الاسم الذي فيه الزوائد ، فتحذفها في التصغير ، فتقول في أسود : سويد ، وفي مثل إرواد : رويد . وقوله : من ليس فيها بقرقر : أي : ليس بذليل ، لأن القرقر : الأرض الموطوءة التي لا تمنع سالكها ، ويجوز أن يريد به : ليس بذي هزل ، لأن القرقرة : الضحك . وقوله : وطائرها في رأسها يتردد . أي : حظها من الشؤم والشر ، وفي التنزيل : « ألزمناه طائرَه في عُنقه » الإسراء ، وقوله : لها حدج سهم وقوس ومرهد ، وجدت في حاشية كتاب الشيخ مما كتبه عن أبي الوليد الكناني على هذا البيت : لعله حدج بضم الحاء والدال جمع حدج على ما حكى الفارسي ، وأنشد شاهداً عليه عن ثعلب : * قمنا فآنسنا الحمول والحدج *